الشيخ عبد الغني النابلسي

91

الحضرة الأنسية في الرحلة القدسية

قاسيون ، وبنى فيها الشيخ أبو عمر بن قدامة جامعه المشهور ومدرسته المعمورة بالبركات والنّور . قال العلّامة ابن قاضي شهبة في تاريخ الإسلام : وفي سنة سبع وستمائة ، توفي الشيخ أبو عمر « 1 » محمد بن أحمد بن محمد بن قدامة شيخ الصّالحية والمقادسة ، الزّاهد العابد أخو الشيخ الموفّق ، ولد سنة ثمان وعشرين وخمسمائة بقرية جماعيل من نابلس ، وهاجر من بلاده ونزل دمشق بمسجد أبي صالح بباب شرقي ، فأقام به ثم انتقل إلى الجبل فقال الناس : الصّالحية الصّالحية ، نسبوهم إلى مسجد أبي صالح لأنهم صالحون ، ولم يكن بالجبل عمارة إلّا أماكن يسيرة ، وكان معتدل القامة حسن الوجه عليه أنوار العبادة ، لا يزال مبتسما ، قرأ القرآن وحفظ الخرقي / وسمع الحديث بمصر ، ويخرج من الثلث الأخير إلى المسجد إلى الفجر ، ويصوم الدهر إلا من عذر ، ويصعد يوم الاثنين والخميس إلى مغارة الدم فيصلي فيها ما بين الظهر والعصر ، وإذا نزل من الجبل ، جمع الشّيح وربطه بحبل وحمله إلى بيوت الأرامل واليتامى ، ويصرف عليهم الدرهم والدقيق ، وكان ينام على الحصير ، ويأكل خبز الشعير ، وكان يجاهد في سبيل اللّه ، ويحضر الغزوات ، وكان مجاب الدّعوة وكراماته كثيرة ، مرض أيّاما يسيرة ، فلمّا كان عشيّة الاثنين ثامن عشرين ربيع الآخر جمع أهله واستقبل القبلة وأوصاهم بتقوى اللّه ومراقبته ، وأمرهم بقراءة ما تيسّر ، وكان آخر قوله « إنّ اللّه اصطفى لكم الدّين فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون » . وتوفي رحمه اللّه وغسّل وقت السّحر ، ونشّف الرجال والنساء الماء الذي غسلوه به ، بالمقانع والعمائم ، ولم يتخلّف عن جنازته أحد ، وكان يوما مشهودا ، ولمّا خرجوا بجنازته ، كان يوما شديد الحرّ ، فأقبلت غمامة فأظلّت الناس إلى قبره ، وكان يسمع فيها دويّ كدويّ النّحل ، ولولا المعتمد وسيف الدولة ما وصل إلى القبر من كفنه شيء .

--> ( 1 ) انظر ترجمته في أول الجزء الثاني والعشرين من سير أعلام النبلاء ، ولا سيّما في المصادر الكثيرة التي ذكرها المحققان في الهامش .